في معبد الجنون
أُحِسُّ بأنفاسِ النَّباتِ تُحَاصِرُ الـ
سُّكونَ، كأنَّ الزهرَ بالهَمْسِ اكتَفَى
وأسمعُ صمتَكِ، وهو يحكي خُطْوَهُ
على جُدرِ الأيامِ، حزنًا مُقْتَفَى
قطارُ العَرقِ يمضي فوقَ جسدِ الدُّجى
وعيناكِ ترقصُ في اشتياقٍ قد غَفَى
أنا ألتقطُ الأحلامَ من وهمِ الرُّؤى
وأعلّقُ الفِكْرَ المُجَنَّحَ إنْ هَوَى
فلا تسأليني عن معانٍ ضائعةٍ
فقد فاضَ قلبي بالشعورِ إذا اكتَفَى
سَأُعطيكِ من روحي القصائدَ إن نَزَتْ
عليكِ ليالٍ ما بها نجمٌ بَدَا
وإن ضاقتِ الدنيا عليكِ، فأقبلي
ففي صدري وطنٌ، وفي قلبي مَفَا
أنا لا أراكِ ككلّ شيءٍ عابرٍ
ولكن كصوتِ الكائناتِ إذا حَكَى
كأنكِ في وهمِ المدى طيفُ رؤى
يؤنسني، يمحو الأسى، يُحيي الرُّجَا
كأنكِ نارُ العاشقينَ إذا غَفَوا
تذيبُ جليدَ الوقتِ إن طالَ الجَفَا
كأنكِ غيمُ القلبِ إن جفّتْ يدي
وأمستْ ليالي العمرِ لا تسقي الرُّبَا
كأنكِ نبضُ الحرفِ، معنى غامضٌ
تجلّى لروحي، ثمّ ضاعَ وما اِنْثَنَى
كأنكِ هذا الكونُ في أجزائهِ
وفيكِ انطوى سرُّ الجمالِ وما اكتَفَى
رحلتِ، ولكن في المدى ما زلتِ لي
كأنّكِ شمسٌ في الجراحِ إذا سَطَى
تمرّينَ بينَ الضوءِ والذكرى كما
يمرُّ بقلبي حلمُ طفلٍ ما اكتَفَى
أراكِ على جدرانِ ذاكرتي، وقد
عَلِقَتْ ملامحُكِ الحزينةُ في رُوَى
ولكنْ — ورغمَ التيهِ — لي فيكِ الرجى
وفيكِ أرى صبحَ المحبةِ إن دَنَى
سأمضي إليكِ... كأنّ قلبي قافِلٌ
من المنفى، من زمنِ الضياعِ إلى الهُدى
سأبني من الأشواقِ بيتًا شامخًا
تسكنّينهُ حلمًا، ونغفو في الرضى
أأنتِ؟ أهذا الصوتُ في روحي نَدَى؟
أهذا سؤالُ الغيمِ في عينيكِ مَضَى؟
أنا لم أزلْ في وجْدِ حلمِكِ زهرةً
تعاندُ موتَ الوقتِ، لا ترضى الأذى
فعودي... سنصنع من غيابِكِ قُبلةً
وننسى بها ما كانَ من دهرٍ قضى
أتيتُ... فهل لي من عيونِك موضعٌ؟
وهل في يديك القلبُ أم ذابَ وَفَى؟
تعالي، ونامي فوقَ كفّي مثلما
تنامُ السنابلُ في الأمانِ إذا نَمَى
جلسنا كأنا الحُلمُ عادَ حقيقةً
وأنّ الزمانَ انسابَ منّا واحتفى
عصافيرُ صوتِكِ فوقَ كتفيَّ غَنَّتْ
تَعاليمَ عشقٍ من فؤادٍ ما قَسَا
كأنّا خرجنا من جراحِ الحزنِ كي
نبني على الأشواقِ قصرًا مُذهَبَا
أخافُ... نعم، والخوفُ يلبسُ مهجتي
كأنّي سرقتُ من الزمانِ ما اشتهى
كأنّي على جفنِ النعاسِ سحابةٌ
تخافُ بأن تُطفى إذا مرّت سُدَى
تعالي... وإن طالَ المسيرُ، تعالي
فإنّي غريقُكِ في الهوى إن قد نَفَى
إذا ما انتهى اللحنُ الجميلُ، فحبُّنا
بقيَ الرجاءَ... وسرَّهُ لا يُنتَهى
هو النورُ إن عزَّ الضياءُ، هو الرؤى
إذا جفّتِ الأحلامُ، أو ذابتْ رُبَى
هو الوعدُ، إن خانتْ وعودُ العالمينَ
هو القلبُ إن هربَ الجميعُ وما وَفَى
فكوني معي في الحُبِّ، لا صبحٌ ولا
مساءٌ... نكونُ الوقتَ إن ضاعَ السَّنَى
وإن يسألوكِ: "من تعيشينَ الهوى؟"
فقولي: "أنا والوهمُ... والحلمُ... وَهْوَا"
محمد هشام قطيش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق